الشيخ محمد رشيد رضا
267
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كالرخاء والخصب والظفر والغنيمة ، كانوا يضيفون الحسنة إلى اللّه تعالى لا بشعور التوحيد الخالص بل غرورا بأنفسهم ، وزعما منهم ان اللّه أكرمهم بها عناية بهم ، وهروبا من الإقرار بأن شيئا من ذلك أثر ما جاءهم به الرسول من الهداية ، وما حاطهم به من التربية والرعاية ، ولذلك كانوا ينسبون اليه السيئة وهو صلي اللّه عليه وسلم بريء من أسبابها ، دع ايجادها وإيقاعها ، وذلك قولهم وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ والسيئة ما يسوء صاحبه كالشدة والبأساء والضراء والهزيمة والجرح والقتل ، كان المنافقون والكفار من اليهود وغيرهم إذا أصاب الناس في المدينة سيئة بعد الهجرة يقولون هذا من شؤم محمد قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قل أيها الرسول ان كلا من الحسنة والسيئة من عند اللّه لوقوعها في ملكه على حسب سننه في نظام الأسباب والمسببات فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً أي فما بال هؤلاء القوم وما ذا أصاب عقولهم حال كونها بمعزل عن الغوص في أعماق الحديث وفهم مقاصده واسراره فهم لا يعقلون حقيقة حديث يلقونه ولا حقيقة حديث يلقى إليهم قط وانما يأخذون بما يطفو من المعنى على ظاهر اللفظ بادي الرأي ، والفقه معرفة مراد صاحب الحديث من قوله وحكمته فيه من العلة الباعثة عليه والغائية له . وإذا كانوا قد فقدوا هذا الفقه وحرموه من كل حديث ، فأجدر بهم ان يحرموه من حديث يبلغه الرسول عن وحي ربه في حقيقة التوحيد ونظام الاجتماع وسنن اللّه في الأسباب والمسببات ، فهذه المعارف العالية لا تنال الا بفضل الروية وذكاء العقل وطول التدبر ، ومن نالها لا يقول بأن سيئة تقع بشؤم أحد ، وانما يسند كل شيء إلى السبب ، أو إلى واضع الأسباب والسنن ، ولكل مقام مقال . وفيه أنه يجب على العاقل الرشيد ان يطلب فقه القول دون الظواهر الحرفية فمن اعتاد الاخذ بما يطفو من هذه الظواهر دون ما رسب في أعماق الكلام وما تغلغل في أنحائه وأحنائه يبقى جاهلا غبيا طول عمره بعد أن بين حقيقة الامر في السيئات والحسنات بالنسبة إلى موضوعها وسنن